السيد محمد باقر الصدر

246

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

وفي مقابل تلك التجربة الناجحة التي مارسها القرآن الكريم لتحريم الخمر نجد أنّ أرقى شعوب العالم الغربي مدنية وثقافة فشل في تجربة مماثلة ؛ فقد حاولت الولايات المتحدة الأميركية في القرن العشرين أن تخلص شعبها من مضار الخمر فشرعت في سنة ( 1920 ) قانوناً لتحريم الخمر ، ومهدت لهذا القانون بدعاية واسعة عن طريق السينما والتمثيل والإذاعة ونشر الكتب والرسائل ، وكلّها تبين مضار الخمر مدعومة بالاحصائيات الدقيقة والدراسات الطبية . وقد قُدِّر ما انفق على هذه الدعاية ( 65 ) مليوناً من الدولارات ، وسوّدت تسعة آلاف مليون صفحة في بيان مضارّ الخمر والزجر عنها ، ودلت الاحصائيات للفترة الواقعة بين تأريخ تشريعه وبين تشرين الأول ( 1933 ) أنّه قُتل في سبيل تنفيذ هذا القانون مائتا نسمة ، وحبس نصف مليون نسمة ، وغرم المخالفون له غرامات تبلغ مليوناً ونصف المليون من الجنيهات ، وصودرت أموال بسبب مخالفته تقدر بأربعمائة مليون جنيه ، وأخيراً اضطرت الحكومة الأميركية إلى الغاء قانون التحريم في أواخر سنة ( 1933 ) ، وفشلت التجربة . والسبب في ذلك أنّ الحضارات الغربية بالرغم من مناداتها بالحرية لم تستطع بل لم تحاول ان تمنح الانسان الغربي ( الحرية الحقيقية ) التي حقّقها القرآن الكريم للانسان المسلم ، وهي حريته في مقابل شهواته وامتلاكه لإرادته أمام دوافعه الحيوانية ، فقد ظنت الحضارات الغربية أنّ ( الحرية ) هي أن يقال للانسان : اسلك كما تشاء وتصرّف كما تريد ، وتركت لأجل ذلك معركة التحرير الداخلي للانسان من سيطرة تلك الشهوات والدوافع ، فظلّ الانسان الغربي أسير شهواته عاجزاً عن امتلاك ارادته والتغلّب على نزعاته ، بالرغم من كلّ ما وصل إليه من علم وثقافة .